تخيّل أن تصلك باقة من الزهور، فتبتسم لأنك تعرف معناها
وردة حمراء؟
الحب، طبعاً
زهور بيضاء؟
النقاء والصفاء
لكن ماذا لو كانت الباقة تقول شيئاً آخر تماماً؟
«أنا غاضب منك.»
أو:
«لا أثق بك.»
وربما، في بعض القواميس القديمة، رسالة أكثر قسوة قليلاً:
«أنا أكرهك.»
قبل أن تصبح الزهور هدية رومانسية نعرفها جيداً، كانت تمتلك لغة كاملة اسمها Floriography، أي «لغة الزهور».
كان بإمكان زهرة واحدة أن تقول ما تعجز عنه جملة طويلة، وباقة صغيرة أن تتحول إلى رسالة سرية لا يقرأها إلا من يعرف قاموسها
كيف بدأت الحكاية؟
بلغت لغة الزهور ذروة شعبيتها في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، خصوصاً في بريطانيا وفرنسا وأمريكا
وفي عام 1819 صدر في باريس كتاب بعنوان Le langage des fleurs، نُسب إلى شارلوت دو لا تور، وجمع مئات الرموز والمعاني المرتبطة بالزهور
ثم انتقلت الفكرة إلى بريطانيا وأمريكا، وازدهرت خصوصاً في العصر الفيكتوري
وكان العصر الفيكتوري، بكل قواعده وآدابه ومجاملاته، مكاناً مثالياً للرسائل التي لا تُقال بصوت مرتفع
فإذا كان من غير اللائق أن تقول لشخص:
«أحبك.»
يمكنك ببساطة أن ترسل له وردة
وإذا لم تكن مشاعرك بهذه الرقة..
يمكنك إرسال زهرة أخرى
وهنا تبدأ الحكاية الممتعة ؛
الزهرة التي قالت: «أكرهك»
من أغرب المعاني التي ارتبطت بالزهور في بعض القواميس القديمة الريحان
نعم، ذلك النبات الذي نضعه فوق الطعام اليوم، كان يُربط في بعض تقاليد لغة الزهور بالكراهية
أما القرنفل الأصفر فكان يمكن أن يحمل معنى الازدراء، بينما ارتبط القرنفل المخطط بالرفض
وكان الخزامى يُستخدم في بعض القواميس للدلالة على عدم الثقة
أما القطيفة، فارتبطت بمعانٍ مثل الاحتقار واليأس والغيرة
حتى الوردة الصفراء، التي تبدو لنا اليوم مرحة ومشرقة، لم تكن دائماً تحمل المعنى نفسه؛ ففي بعض القواميس الفيكتورية ارتبطت بنقصان الحب أو الخيانة
وهكذا، لم تعد الباقة مجرد أزهار جميلة
لقد أصبحت جملة
ليست الزهرة وحدها من يتكلم
ولأن الأمر لم يكن معقداً بما يكفي، كان لون الزهرة يدخل هو الآخر في الحديث
فالزهرة نفسها قد يتغير معناها بحسب لونها، وأحياناً بحسب شكلها أو طريقة تقديمها
وهكذا أصبح بالإمكان تركيب باقة كاملة تشبه رسالة مشفّرة
وردة حمراء
زهرة ترمز إلى الوفاء
وأخرى إلى الذكرى
وربما زهرة صغيرة جداً في المنتصف تقول شيئاً لا يعرفه أحد سواكما
إنها محادثة كاملة...
لكن من دون كلمة واحدة
ومع ذلك، من المهم ألا نتعامل مع لغة الزهور كأنها قاموس عالمي ثابت
فالمعاني اختلفت بين الكتب والبلدان والكتّاب، وكانت الزهرة الواحدة تحمل أحياناً أكثر من معنى،
أي أن المسألة لم تكن علماً دقيقاً بقدر ما كانت لعبة رمزية جميلة، تتغير قواعدها قليلاً كلما تغيّر الكتاب الذي بين يديك
والحكاية أقدم من العصر الفيكتوري
لم تبدأ علاقة البشر بالزهور في القرن التاسع عشر
في الثقافة العثمانية مثلاً، كانت الزهور حاضرة بقوة في الفن والأدب، واحتل الورد والتوليب والقرنفل مكانة خاصة في المخيلة الجمالية،
لكن فكرة تحويل الزهور إلى قاموس منظم للمعاني انتشرت بصورة واسعة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر.
وفي عام 1884 نشرت الكاتبة والرسامة الإنجليزية كيت غرينواي كتابها الشهير The Language of Flowers، الذي جمع رموز الزهور في قاموس مصوّر وأصبح من أشهر الكتب المرتبطة بهذا التقليد
وربما لهذا تبدو لنا الفكرة اليوم ساحرة قليلاً
أن تعيش في زمن لا تستطيع فيه أن ترسل رسالة في ثانية، ولا تكتب جملة على شاشة صغيرة، فتبحث عن زهرة بدلاً من ذلك
تختارها بعناية،
تنظر إلى لونها،
ثم ترسلها"
والطرف الآخر، إن كان يعرف اللغة، يفتح الباقة ويبدأ بالقراءة
ربما لا يقول شيئاً
لكنه يفهم
وهذا أجمل ما في الحكاية؛
أن الزهور لم تكن دائماً مجرد شيء نضعه في مزهرية وننسى أمره
كانت أحياناً طريقة أخرى للكلام
لذلك، في المرة القادمة التي ترى فيها باقة من الورود، لا تسأل فقط:
«ما أجملها؟»
اسأل أيضاً :
«ماذا تقول؟»
فليست كل باقة تقول:
أحبك.
بعضها كان يقول:
أفتقدك.
أثق بك.
لا أثق بك.
أرفضك.
أغار منك.
وأحياناً...
أكرهك.
بِقلم : 𝚁𝙰𝙷𝙰𝙵 📜.


